أحمد بن محمد ابن عربشاه
91
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
[ 12 ] [ الجرذ والغزالة : ] فقال : ذكر أن بعض الصيادين المحتالين الكيادين ، نصب حباله ليصيد غزالة ، فعلق بها مهاة من المها « 1 » ، وطلبت مجالا واضطربت يمينا وشمالا ، فوقعت عينها على جرذ من الجرذان ، عنيد يتفرج عليها من بعيد ، فنادته بلسان زلق « 2 » وأثنت عليه بلسان طلق ، وقالت : يا فارس ميدان المروة والنجدة والفتوة ، والموصوف بالشطارة والقوة ، هذا وقت الكرم ، وأوان استعمال مكارم الشيم وفعل المعروف وإغاثة الملهوف ، وصرف الهمة إلى كشف الغمة . نعم ؛ وإن كانت طرائق الصداقة بيننا معدومة ، ونقوش التنافر على صحف خواطرنا مرقومة ، ونقود المعرفة والإخاء في جنب التباين غير مبذولة ، ومرآة التوافق فيما بيننا غير مصقولة ، لكن في الشدائد يعرف الإخاء ، والإخوان كثيرون في الرخاة كما قيل : دعوى الإخاء على الرّخاء كثيرة * بل في الشدائد تعرف الإخوان وقد قصدتك في الخلاص ، وقرض شرك الاقتناص ، ونجاتي من سكين القناص ، فاقرض هذه الشبكة بأسنانك الحداد ، وافتح بيني وبينك باب الوداد ، فإني أصلح لك صديقا وأنا أكون لك عتيقا ، وأعرف لك الجميلة فأصير عبدا لك إلى الممات ، وأدركني قبل الوفاة والفوات ، ومع هذا يا ذا الجاه لا يكن عملك إلا لله فقد قيل : من يفعل الخير لا يعدم جوائزه * لا يذهب العرف بين اللّه والنّاس فقهقه الجرذ وقهقر ، ولعب بإبطه وتمسخر ، وتمرغ يمينا وشمالا ، وتقصف طربا ودلالا ، وسخر بالغزالة وكلامها ، وبادر إلى عزلها وملامها ، وتبرد بحرارتها وتحلى بمرارتها ، وقال : شهوتك الردية ، وحرص نفسك الشقية رمياك في هذه البلية ، وتحركت سجيته الذميمة وطبيعته اللئيمة ،
--> ( 1 ) الغزالة . ( 2 ) أي بتملق ولطف .